الراغب الأصفهاني
150
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وأما ما يختص بسعادة الدنيا ولا يعتبر فيه العاقبة فيقال له الدولة والدول ، وعلى هذا قوله تعالى : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ « 1 » ، وقوله في وصف الفيء : كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ « 2 » . والتأييد : تقوية أمره من داخل بالبصيرة ، ومن خارج بقوة البطش ، ومن الأول قوله تعالى : إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ « 3 » . والعصمة : فضل إلهي يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر حتى يصير كمانع له من باطنه وإن لم يكن منعا محسوسا ، وإياه عنى بقوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ « 4 » . وقد روي أن يوسف رأى صورة يعقوب عليهما السّلام وهو عاض على إبهامه ، فأحجم وليس ذلك بمانع ينافي التكليف كما تصوره « 5 » بعض المتكلمين ، فإن ذلك كان تصوّرا منه وتذكرا لما كان قد حذره منه ، وعلى هذا قال تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ « 6 » ، ومن عصمته تعالى أنه يكرر الوعيد على من يريد عصمته لئلا
--> ( 1 ) آل عمران / 40 . ( 2 ) الحشر / 7 . ( 3 ) الأنعام / 110 . ( 4 ) يوسف / 24 . ( 5 ) في أكما توهمه بعض المتكلمين ، ولعلها أليق بالمعنى المراد . ( 6 ) يوسف / 24 . وجدير بالذكر أن المفسرين تكلموا في هذا الموقف كثيرا ومن أحسن ما قيل رأي الفخر الرازي : أن الهم هم بدفع المرأة عنه ، وبرهان ربه هو النبوة والعصمة ورؤية عبارة على السقف ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) فالبرهان هو الخلق الرادع عن مجرد حديث النفس الذي يفسر في اللغة بالهم والشهوة . وقيل السوء : مقدمات الفاحشة من نظر وقبلة وغيرهما ، والفحشاء الزنا